ابن عطاء الله السكندري

38

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) [ فاطر : 6 ] ، فلما أمر العبد بمحاربته أذن له أن يتناول من منابت أرضه ما يستعين به عل محاربة الشيطان إذ لو تركت المأكل والمشرب لم يمكنك أن تقوم بطاعته ولا أن تنهض لخدمته ؛ ومثال العبد مع اللّه كمثل ملك له عبيد فبنى دارا وأبهجها وحسنها وتولى غراسها وكمل المشتهيات فيها في غير الموطن الذي فيه العبيد وهو يريد أن ينقلهم إليها أترى إذا كانت هذه عنايته بهم فيما ادخر لهم عنده وهيأه لهم بعد الرحلة أيمنعهم ههنا أن يتناولوا من منه وفضلات طعامه وهو قد هيأ لهم الأمر العظيم والفضل الجسيم ، كذلك العباد مع اللّه جعلهم في الدنيا وهيأ لهم الجنة فلا يريد أن يمنعهم من الدنيا ولكن ما يقيم به وجودهم فقال تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) [ البقرة : 57 ] ، وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) [ المؤمنون : 51 ] وإذا ادخر لك الباقي ومن عليك به لا يمنعك الفاني فإنما يمنعك ما لم يقسمه لك وما لم يقسمه لك فليس لك ، ومثال المهموم بأمر دنياه الغافل عن التزود لأخراه كمثل إنسان جاءه سبع وهو يريد أن يفترسه ووقع عليه ذباب فاشتغل بذب الذباب ودفعه عن التحرز من السبع والحق أن هذا عبد أحمق فاقد وجود العقل ولو كان متصفا بالعقل لشغله أمر الأسد وصولته وهجومه عليه عن الفكرة في الذباب كذلك المهتم بأمر دنياه عن التزود للآخرة دل ذلك منه على وجود حمقه إذ لو كان فهما عاقلا لتأهب للدار الآخرة التي هو مسؤول عنها وموقوف عليها فلا يشتغل بأمر الرزق فإن الاهتمام به بالنسبة للآخرة نسبة الذباب إلى مفاجأة الأسد وهجومه ، ومثال المدخر للأمانة كعبد الملك لا يرى أن له مع سيده شيئا ولا يعتمد على ادخار ما في يده ولا بد له منه بل على ما يختاره السيد له فإذا فهم هذا العبد أن الإمساك مراد السيد أمسك لسيده لا لنفسه حتى يتخير موضع صرفه فيكون له صارفا حين يفهم من سيده إرادة صرفه فهذا بإمساكه غير ملوم لأنه أمسك لسيده لا لنفسه كذلك أهل المعرفة باللّه إن بذلوا ففيه وإن أمسكوا فله يبتغون ما فيه رضاه لا يريدون ببذلهم وإمساكهم إلا إياه فهم خزان أمناء وعبيد كبراء وأبرار كرماء قد حررهم الحق من رق الآثار فلم يميلوا إليها بحب ولم يقبلوا عليها بود منعهم من ذلك ما أسكنه في قلوبهم من حب اللّه ووده وما امتلأت به صدورهم من عظمته ومجده فصارت الأشياء في أيديهم كأنها في خزائن اللّه من قبل أن تصل إليهم علما منهم بأن اللّه تعالى يملكهم ويملك ما ملكهم .